محمد بن محمد ابو شهبة
54
المدخل لدراسة القرآن الكريم
وأعقّب على قول الإمام فأقول : إن مسألة نزول القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليست من العقائد التي يتحتم تواتر الأخبار بها ، والتي لا بد فيها من العلم القطعي اليقيني ، مثل وجود اللّه وصفاته ، ونحو ذلك من العقائد ، وإنما يكفي فيها الأخبار الصحيحة . . التي تفيد غلبة الظن ورجحان العلم ، ثم إن من قال إن مثل هذه الحقيقة الغيبية لا بد فيها من تواتر الأخبار عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ! إن كثيرا من السمعيات يكتفى فيها بالأخبار الصحيحة التي تفيد رجحان العلم بما دلت عليه ، وعلى هذا جرى العلماء سلفا وخلفا ، ثم إن تأويل الآيات بأن المراد ابتداء الإنزال صرف للآيات عن ظواهرها ، وقد بينت أن ظاهر الآيات يشهد للنزول جملة واحدة ، والظواهر لا يعدل عنها إلا بصارف ، وأنى هو وبعد . . فالقول الأول ، هو الراجح والصحيح الذي تشهد له الآيات والآثار . حكمة هذا النزول : والحكمة في هذا النزول أمران : ( 1 ) تفخيم شأن القرآن ، وشأن من نزل عليه ، وشأن من سينزل إليهم ، بإعلام سكان السماوات من الملائكة بأن هذا آخر الكتب المنزلة ، على خاتم الرسل ، لأشرف الأمم ، وهي الأمة الإسلامية ، وفي هذا تنويه بشأن المنزّل ، والمنزّل عليه ، والمنزّل إليهم . ( 2 ) تفضيل القرآن الكريم على غيره من الكتب السماوية ؛ بأن جمع اللّه له النزولين : النزول جملة واحدة ، والنزول مفرقا ، وبذلك شارك الكتب السماوية في الأولى ، وانفرد في الفضل عليها بالثانية ، وهذا يعود بالتفضيل لنبينا « محمد » على سائر إخوانه من الأنبياء ذوي الكتب المنزلة ، وأن اللّه جمع له من الخصائص ما لغيره وزاد عليها . النزول الثاني : قلنا فيما سبق إن القرآن الكريم نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، في ليلة القدر وهذا هو النزول الأول ، وكان النازل به